خواطر
حب الأذى - الشعب المصري كمثل أعلى
وهو طبعٌ يشكلُ الى جانب خفة الدم ( التي اؤمن بتميزنا فيها كحقيقة كونية ) و (المزاوله ) و رنات الموبايل و الشخره و الكشري مايسمى بالشخصيه المصريه الفريدة من نوعها في الطريق اللبني . وحب الأذى يعني ان المصري المتوسط المنتقى من عينة عشوائية يحب في الغالب ( وعن وعي كامل و نية مبيته) الزج بأخيه المواطن في مشاكل / متاعب / تعقيدات بلا اسباب او دوافع منطقيه , الأهم من ذلك - وهو مايميز هذا السلوك عن الشر المتعارف عليه دوليا- هو أن محب الأذى لا يستفيد بتاتا من فعلته بل على العكس تماما , قد تعود عليه بالكثير من الضرر الذي يقبله مستمتعا مقابل اشباع غرائزه , ما يثيرالشكوك حول الاصول المازوخيه لحب الأذى المصري .
كغر غرير , لم يسبق لي التعامل بجديه مع حسابي في البنك . كنت انتظر تحويلا من الخارج . و اخبرني المحول انه سيحتاج الى معلومات كرقم الحساب و عنوان البنك و خلافه ليتم التحويل . و كأي عميل محترم توجهت من فوري للبنك للإستعلام , في مكتب خدمة العملاء استقبلتني بفتور فتاه محجبة بدينة توشك على التحول لامرأه . كتبت ماطلبت في بطاقه كرتونيه تحمل اسم البنك . و عندما هممت بالانصراف نادت علي باسمي الأول يسبقه لقب دكتور . و شددت على انها ستحتاج ال
وصلني ردٌ استنكاري ٌ يوضح اني اناالمطالب بارسال الكود المذكور , و لأن الوقت كان في هذاالموقف - و في كل المواقف حقيقةً - من ذهب . و لأن المبلغ المنتظر كان كالمطر المنتظر في بيداء قاحله , توجهت من فوري لنفس البنك و نفس الفرع و نفس المكتب لاحصل على الكود . و بينما كانت زميلة محبة الأذى تشرح لي فائدة و معنى الكود المذكور ( بنبرة لا تخلو من استهزاء العالم بالجاهل ) , كانت الموظفه الاولى ترمقني و تشغل نفسها بالكتابه في اوراقها و على وجهها شبح ابتسامه .
مثال مشابه تعرضت له قبل شهور حين كنت استخرج تصريح سفري الى الولايات المتحده من مقر التجنيد في العامريه , وهو مجمع عسكري يقع في صحراء جرداء على اطراف الأسكندريه . كان وضعي معقدا لأن القانون يمنع الطالب الجامعي من السفر الا في اجازته الصيفيه او للحج و العمره و ماشابه . و لأن كليتي لا تعترف بالأجازات و لا تعرفها , فقد امضيت وقتا طويلا اتردد بين شئون الطلاب بالكليه في وسط المدينه و بين العامريه حيث مارس الموظفون عادتهم الأثيره في (مطوحة) الزبائن بغض النظر عن المسافات . كدت انتهي من الاوراق لكن العسكري المختص ابلغني انه لا بد من عرض اوراقي على ادارة التنظيم و الإداره في العباسيه بالقاهره . و لأن ميعاد الطائره كان في اليوم التالي مباشرة , عنى ذلك انني يجب ان اتوجه فورا الى العباسيه , لأختم الورق المطلوب واعود الى العامرية مرة اخرى في نفس اليوم لاستخرج التصريح .. و مع الأخذ في الاعتبار اني لا املك سياره , و ان المسافه بين رمسيس و العباسيه في ظهر القاهره تساوي زمنيا نصف الطريق الصحراوي .. فقد كان اللحاق بميعاد الطائرة مستحيلا من الناحيه الفيزيائيه البحته .
قضيت ليلتها مع اصدقائي في القاهره في هم عظيم و في اليوم التالي توجهت فورا الى العباسيه حيث اخبرني الجندي المختص ان الطلب يحتاج المزيد من الامضاءات و الاوراق , عدت الى الاسكندريه مرة اخرى فجرا لانهي اوراقي و انطلق الى القاهره من جديد و اقدم اوراقي , غير ان الاوراق لم تقبل بحجة ان الاختام غير واضحة , و بعد الكثير من المناهده و الملاطفه و الملاعبه , وافق جناب الجندي اخيرا على قبول الفاكس كطريقه لاثبات صحة الاختام . و تكفل صديق لي بكتابة الاوراق في الاسكندريه و ختمها و توثيقها و بعثها بالفاكس مرة اخرى حيث قدمتها اخيرا قبل غلق شباك التسليم بدقيقتين و بعد تأجيل الرحله ليومين كاملين و دفع غرامة التأخير لشركة الطيران الاوروبية المكلفه جدا .
في النهايه تم رفض الطلب لان مقر الادراه الرئيسي ليس جهة اختصاص . و ان على الطالب العوده الى منطقة التجنيد التابع لها - اي العامريه - للحصول على التصريح . يعني هذا ببساطه ان الجندي ابن القحبه المختص في العامريه بعث بي الى القاهره ومنها الى الاسكندريه مرات عدة بلا اي سبب واضح او منطقي اللهم إلا التقليل من زحام الطلبات و الاوراق المقدمه له يوميا , بالاضافه طبعا الى حب الأذى النقي في انبل صوره .
لا يقتصر الأمر على موظفي الحكومه الكرام . سبب كراهتي للرياضيات و فشلي فيها هو مدرس الماده في المرحله الإعداديه , كان مجدي كامل بغلا ضخم الجثه و كثير الإفرازات العرقيه و الأنفيه , الا انه كان يملك للامانة عقلا المعيا استغله في الشر و تحطيم ثقة الطلبه في انفسهم بلا سبب واضح . كنت وقتها على اعتاب عشق الرياضيات , اقضى الساعات في حل مسائل الهندسه و رسم الاعمال و تحدي الزملاء فيها . و عندما استلم مجدي كامل الفصل كمدرسه للرياضيات وضعني و غيري من المتميزين فيه هدفا سهلا ليجعل منا عبرة الفصل, وبينما كان يزداد التحدي العلمي معه كانت تزداد صعوبة المسائل و بالتالي قدرتي على الحل . كان الموضوع بالنسبة لي انتصارا تلو انتصار و اثباتا للقدره كانت نتيجته الطبيعيه انضمامي لفريق اوائل الطلبه الشهير بانتصاراته المعتاده على مستوى المحافظه و احيانا الجمهوريه . مرت الأمور بسلام لمدة سنه , و في السنه النهائية الثالثه اعلن مجدي كامل الحرب علي و عدد من زملائي , كان سببها المعلن رفضنا للانضمام لدرسه الخصوصي , لكني عرفت ان لسلوكه سبب اعمق . بدأت الحرب النفسيه بتكرار رسوبي في امتحانات الشهر , ادراج اسمي في قائمة الغياب يوميا , عدم ترشيحي لمسابقات الرياضيات المؤهله لاوائل الطلبه و هي الاجراءات التي - بجانب المشاكل النفسيه التي سببتها لي - رشحتني للفصل من المدرسه . وصلت الامور لذروتها حين قررت ادارة المدرسه اختيار طلابها المتفوقين في الرياضيات لتمثيلها في مسابقة هامه جوائزها السفر للخارج . كتب مجدي كامل على سبورة الفصل مسألة قال انه شخصيا توصل لحلها بعد اسابيع . و كافلام العائله الامريكيه تقدمت وحدي لحلها الذي تأكدت لاحقا من صحته . غير ان الاستاذ الموقر اعلن خطأ الحل , و اضاف فاصلا من التبكيت و ال-نقوزه- على غباء العبد لله و فشله في اي و كل شيء له علاقة بالعلم و التعلم و انهى خطبته العصماء بجملته التي حُفرت حتى اليوم في ذاكرتي : يبقى تف على وشي لو دخلت كليه عدله , او حتى معهد صنايع .
بعد قبولي في كلية الطب زرت و بعض اصدقائي المضطهدين ايامها مدرستنا القديمه على امل ان نلتقي مجدي كامل . عرفنا انه قد فصل من المدرسه . ووصلني تعليق على تدوينة سابقة كتبتها يفيد بان الرجل رد سجون , وهو مايشكل احتمالا معقولا جدا بالنسبه لخصائصه و صفاته . النتيجه النهائيه لهذه الملحمه هي اني اصبحت لا شعوريا اعدى اعداء الرياضيات و لاحقا اخترت طريق العلوم وهربت من الهندسه و علومها رغم حبي الشديد لتطبيقاتها .
و استكمالا لامثلة حب الأذى في التعليم , مرضت في سني الدراسه الإبتدائيه بالغده النكافيه التي تستلزم الفصل و الراحه التامه في البيت لاسبوعين . فاتني العديد من الدروس الهامه فتطوع قريب لنا درس الآداب وعمل ردحا في التربيه و التعليم ليشرح لي ما استعصى علي فهمه بمفردي . و لأني وقتها كنت اوقره جدا فقد استقبلت عرضه بموافقه جامحه . لكن الرجل الأربعيني وقتها شرح لي قواعد النحو و الأنجليزيه و الرياضه و غيرها بالمعكوس , قال لي مثلا ان (أن) ترفع المبتدأ و تنصب الخبر , و العكس صحيح بالنسبه لكان . كانت النتيجة هي ان عدت الى المدرسة لاواجه ضحكات الطلبه و تبويخات المدرسين و الضرب بالعصي و (التذنيب) و غيرها من اشكال العقاب . و عندما صرحت للرجل في لحظة شجاعه نادره عما حدث ضحك كثيرا جدا و قال بالحرف : اهو عشان تتعلم ان دايما تعتمد على نفسك !!
و للقطاع الخاص ايضا باع ضخم في محبة الأذى : كنت من اسبوعين في القاهره , ركبت سيارة ميكروباص من عبد المنعم رياض للمعادي , و لاني ضعيف في المعادي طلبت من المنادي ان يبلغني حين نصل مستشفى السلام , و يبدو انه نسى , او انه اصلا لم يكن ليمر امام المستشفى المذكوره وخاف ان الومه مثلا , لكنه لم يخبرني بالخطأ او ينصحني بطريقة للعوده الى حيث اريد. لكنه انزلني بدلا امام مستشفى القوات المسلحه و اخبرني انها مستشفى السلام , ولجهلي و علمي ان كلاهما على الكورنيش نزلت و شكرته . و حتى وصلت الى حيث السلام ضاعت ساعه و ضاع معها ميعاد هام بسبب حب منادي الميكروباص للأذى .
لكن اكثر مواقف حب الأذى التي تعرضت لها طرافة كانت من عامين . حين كنت اشتري ملابس داخليه تحتيه من نوع البوكسر الكاروهات . دخلت محلا صغيرا في سموحه يبيع ملابس رجاليه و نسائيه معا . وعندما طلبت نوعا معينا من البوكسرات اخبرني البائع الشاب ان المقاسات لهذا النوع بالذات مختلفه عن غيره من المصري الكوتونيل المعتبر .. و افهمني انها تبدأ من 1 و تنتهي عند 3 .و سألني عن مقاسي التقريبي . اخبرته اني لا اعرف , فابتسم الشاب . و سكت طويلا حتى اقتربت مجموعه من الآنسات كن يتصفحن عدة جونلات . ثم قال بصوت عال مسموع لكل من في المحل : (بص هو البوكسر ده مقاسه من واحد لتلاته , خد واحد . افتكر ده كده آخرك) و دخل هو و البنات في كريزة ضحك
عن فيروز كراويه
بعد ما إدى و بعد ما خد
بعد ما هد و بنى و إحتد
شد لحاف الشتا م البرد
بعد ما لف و بعد ما دار
بعد ما هدا و بعد ما ثار
بعد ما داب و اشتاق و إحتار
حط الدبلة و حط الساعه
حط سجايره و الولاعه
علق حلمه على الشماعه
علق حلمه على الشماعه
..
تنهي غناء اخر سطرين بهدوء تدريجي .. تتراجع الى عمق المسرح بينما يخفت صوت ايقاع الدف .. تهبط شدة الإضاءه .. و يسود سكون لذيذ على المكان باكمله .. تلك اللحظات بين الصدمه و الانتباه هي التي تحدد حقا نجاح ما تم تقديمه .. دعني اقول ان اللحظات التي تلت كانت طويلة طويله .. كمن يسكن تماما كي لا تضيع نشوته .. شعرت اياما مرت ... قبل ان يقطع كل هذا الجمال تصفيق فظ .. اكره هذا التقليد الذي يقتل المتعه ... لا تكريم اجمل من ان يجلس المشاهدون هناك .. عاجزين عن التحرك او التفكير .. مغمورين في الحاله و غير قادرين على الخروج منها
..
فيروز ستغني في ساقية الصاوي مساء الثاني عشر من اغسطس القادم
ستجدونني هناك واحدا من الحاضرين .. ابحثوا بعد انتهاء العرض عن شخص لا يصفق
..
آمل فقط الا اتوه انا شخصيا وسط الساكنين
=========
تحديث : اقرأ لفيروز










Recent comments
17 hours 25 min ago
1 week 2 days ago
1 week 6 days ago
3 weeks 5 days ago
4 weeks 2 days ago
4 weeks 4 days ago
4 weeks 6 days ago
6 weeks 1 day ago
6 weeks 1 day ago
6 weeks 2 days ago