هذا المقال المهم كتبته الكاتبة الللبنانية التي تعيش في القاهرة الدكتورة دلال البزري الباحثة في علم الاجتماع
أيها الممانعون العرب: هذا واحد من آثار ممانعتكم
دلال البزري الحياة - 05/11/06//
الحدث ينتمي الى النوع السينمائي. مع انه حصل في وسط القاهرة العريقة. في شوارع طلعت حرب وقصر النيل وكورنيش النيل. اول من افصح عنه اصحاب المدوّنات الالكترونية (bloggers)، ثم ذاعت وقائعه. كتبت عنه الصحافة، وكان مادة استنكار من نواب في البرلمان وبعض منظمات حقوق الانسان.
واليكم وقائع الحدث شبه السينمائي هذا: في اليومين الاول والثاني من ايام عيد الفطر، راح رهط من الذكور يصل عدده الى المئة احياناً، وتتراوح اعمار عناصره بين العاشرة والاربعين، يهجمون على اية امرأة مارّة في الطريق، يخلعون ملابسها بالقوة والضرب، ويدسّون ايديهم في كل مناطق جسمها. والأهم من كل ذلك، انهم كانوا لا يميزون بين سافرة ومحجبة ومنقبة. الكل سيان امام السعار. بل الاخيرة، المنقبة، نالت قسطاً خاصاً: إندسّ «الصغار» من الرهط داخل عباءتها بأوامر من «كبارهم» واخذوا يتحسّسون مختلف انحاء جسدها المغطّى...
كل ذلك وسط لا مبالاة المارة ورجال الشرطة على حدّ سواء. التدخل الوحيد كان تهديدا بالمسدس وجهه ضابط ضد مصور حاول التقاط بعض الصور. الجميع كان «يتفرج»، كأنه امام فيلم لا تعنيه احداثه الا بقدر ما تدهشه وتسلّيه. تكرار هذه الوقائع في اليوم نفسه وفي اليوم التالي احلّ الذعر في نفوس مقهورة بالاصل، وانعش الحيرة في العقول الضائعة.
فالحدث ينطوي على مفارقات مثيرة. أولاها انه يأتي بعيد شهر رمضان، شهر الفضيلة والورع والاحساس بجوع المحروم والتقرب الى الله. واذا بالبعض يحوّلون نهايته للتعبير عن ابشع الانحطاط الاخلاقي والروحي، وعن أشدّه بدائية. والأمر يطرح اسئلة على القيمين على الدين عن نوعية التديّن الذي يدعون اليه؛ والخواء الروحي والاخلاقي لطريقتهم في التدين وقدواته الكاذبة، عن مظهرية تدينهم وسطحيته، وتمسكه بالاشكال المفبركة، وعن عدوانيته وعنفه، خصوصا في شهر رمضان المبارك!
المفارقة الثانية تتعلق بالحجاب ومن ثم النقاب. في موجة الحجاب، كان يُقال للنساء: «غطّوا شعوركن، تسلمنَ من تحرشات الشارع ومضايقاته البذيئة». اما في موجة النقاب، فيقال لهن: «غطوا وجوهكن، لعلكن تحظينَ بهيبة في الشارع، بإحترام اكبر... وتحرش اقل». اما مفتي استراليا، الشيخ تاج الدين الهلالي، فخطب في المؤمنين قبيل العيد، هادراً: «غطوا شعور نساءكم! كي لا تعرضن لحمهن ويتعرضن للاغتصاب!».
والحال ان لا الحجاب ولا النقاب حمى سيئات الحظ في تلك الليالي الاولى من رجب... من قطعان هائجة، وواثقة من حقها بهذا «اللحم» النسائي الحيّ، ثقة الموقن بيقينه. «غطينا كل ما يجب ان يُغطّى»، تكاد تقول المنقبة؛ «ماذا نفعل الآن؟ نبقى في البيت؟». نعم... ابقينَ في بيوتكن. وهذا الجواب يأتي من صغار المعنيين: من امين شرطة سأله احد الصحافيين عن سبب عدم حمايته للضحايا من النساء، فأجاب: «أي بنت تنزل في الزحمة دي تستاهل اللي يجرا لها»!
وهو ما يعني ان هجمة الرهط البدائي ليس ابن البارحة، بل هو اختمار في الوجدان، بطيء وخبيث، مفاده من ان بقاء النساء في البيت هو افضل ما يمكن ان يحصل لهن.
المفارقة الثالثة، الأشد خطورة، هي انعدام الديناميكية البوليسية امام حدث كهذا، وارتفاع نفس هذه الديناميكية الى درجات قصوى امام تظاهرات «كفاية» والتظاهرات المعنية بالاصلاح السياسي. فهل ترى الادارة الرسمية ان خطر المطالبين بالاصلاح اشد هولاً من خطر رهط من الذئاب الجائعة المنفتلة من عقالها والمطالبة بحقها الشرعي بـ «الـلحم»؟ اذا كانت تلك هي المعادلة القائمة في رأس الساهرين على أمننا، فمن واجبنا ان نخاف: لأن عقول الساهرين هؤلاء تعطي الاولوية لأمن السلطة على أمن المجتمع.
وما يفسر وجها من وجوه هذا الحدث، هو ان هذه الشرطة تحديداً تغاضت عن بلطجية قاموا بهجوم مماثل منذ عامين على متظاهرات يحتججن على تعديل المادة 76 من الدستور. فاذا كانت الشرطة تحمي البلطجية في سعيرهم حيال متظاهرات، فما الذي يردع مسعورين آخرين عن تنظيم رهط الذئاب؟
وجه آخر ايضاً: المجال الذهني الذي تربت عليه عقول المسعورين حيال «اللحم»؟ ما هي منابت شرعيتهم الاخرى، او ما يولّد الطاقة لديهم؟ الجواب ربما في مكان آخر: في الفكرة التي اطلقها نفس المفتي الاسترالي باستباحة جسد السافرات. وعلى الأثر، سأله صحافي عن موعد تنحّيه، فأجابه المفتي: «بعدما نطهّر البيت الابيض الاميركي أولا».
السؤال هو: ما العلاقة بين «لحمنا» النسائي وبين اشتداد الحرب بيننا وبين اميركا واسرائيل؟ بدليل زيادة نسبة الحجاب ومن ثم النقاب تصاعدياً عند كل محطة من محطات هذا القتال؟ بن لادن، الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والغزو الاميركي لأفغانستان والعراق، حرب لبنان بين اسرائيل و»حزب الله»؟ بعد كل معركة من هذه المعارك يتدثّر الجسد النسائي بالأغطية، ويتخفّى وينحني...؟
لماذا؟ ربما لأن حدسهن يشير اليهن بالتنبّه والتغطّي من المتحرشين والزاجرين بعد كل محطة من محطات هذا القتال بيننا وبين اميركا والصهاينة. فكأن جسد المرأة هو المجال الارحب للاستمرار في العداوة؛ كأنه، في الآن عينه، الحصن الحصين ضد الاعداء. والنساء يحدسنَ ذلك.
فوق هذا، وبعدما يكون «لحمهن» الواقعي قد لفّ بمئة لفافة، ترى «اللحم» الافتراضي معرّى تماماً في عالم الغناء بكليباته الساخنة. وهي اكثر ما تشاهده هذه الأنفس الجائعة، بعدما تستمع الى مطربها المفضل، شعبان عبد الرحيم الذي «يكره اسرائيل» و»يحب» المقاومة اللبنانية... تقريبا مثل مفتي استراليا. وفي موازاة كل ذلك، مزيد من المواعظ العدوانية والقدوات الكاذبة والشكليات الدينية المغرقة في التفاهة.
ولربما أخذ بلوغ هذه التصورات عن المرأة مساراً محدداً ليست معالمه واضحة حتى الآن. ولكن يمكن الاجمال بأن الصيرورة التي بدأت بتحجب النساء قد تنتهي بعودة النساء الى البيت، او بخلق غيتوهات خاصة بهن: لا كما كنّ سابقاً، مندرجات في علاقات، صاحبات سرّ وتواطؤ، بل كما هن الآن: معزولات عن الوشائج الانسانية الاكثر إلحاحا، غارقات في الخوف على الحياة. وهذه نهاية ليست مستحيلة. فالنساء اقوى من الرجال في استشعار الخطر وحماية جنسهن البشري. وتغطية كل الجسد ما عدا العيون... حتى هذه لم تنفع. فماذا يبقى غير الانصراف عن الخروج من البيت؟
قد نصل الى هذه النهاية اذا بقي جلّ «الممانعين» يرون في الهوية قاعدة فكرهم وإطارأً له. واذا لم ينتبهوا الى ان قاعدة كهذه وإطاراً كذاك يحولان المرأة الى درع بشري لمعارك الممانعين المتتالية في وجه الغرب. يُستخدم هذا الجسد في المعارك الرمزية في الحرب الثقافية ضد الغرب... وصولا الى استباحته والتصرف به بما تستلزمه المعارك في حركتها واضطرامها!
قد تكون هذه معالم الحقبة المقبلة التي تنتظرنا. فلنرَ.
<h1>أيها الممانعون العرب: هذا واحد من آثار ممانعتكم</h1> <h4>دلال البزري الحياة - 05/11/06//</h4> <p> <p> <table width="200" cellspacing="0" cellpadding="3" border="0" align="left" class="image"> <tr> <td><img alt="" src="paint_18.jpg_200_-1.jpg" hspace="0" border="0"></td> </tr> <tr> <td class="caption"></td> </tr> </table>الحدث ينتمي الى النوع السينمائي. مع انه حصل في وسط القاهرة العريقة. في شوارع طلعت حرب وقصر النيل وكورنيش النيل. اول من افصح عنه اصحاب المدوّنات الالكترونية (bloggers)، ثم ذاعت وقائعه. كتبت عنه الصحافة، وكان مادة استنكار من نواب في البرلمان وبعض منظمات حقوق الانسان.</p> <p>واليكم وقائع الحدث شبه السينمائي هذا: في اليومين الاول والثاني من ايام عيد الفطر، راح رهط من الذكور يصل عدده الى المئة احياناً، وتتراوح اعمار عناصره بين العاشرة والاربعين، يهجمون على اية امرأة مارّة في الطريق، يخلعون ملابسها بالقوة والضرب، ويدسّون ايديهم في كل مناطق جسمها. والأهم من كل ذلك، انهم كانوا لا يميزون بين سافرة ومحجبة ومنقبة. الكل سيان امام السعار. بل الاخيرة، المنقبة، نالت قسطاً خاصاً: إندسّ «الصغار» من الرهط داخل عباءتها بأوامر من «كبارهم» واخذوا يتحسّسون مختلف انحاء جسدها المغطّى...</p> <p>كل ذلك وسط لا مبالاة المارة ورجال الشرطة على حدّ سواء. التدخل الوحيد كان تهديدا بالمسدس وجهه ضابط ضد مصور حاول التقاط بعض الصور. الجميع كان «يتفرج»، كأنه امام فيلم لا تعنيه احداثه الا بقدر ما تدهشه وتسلّيه. تكرار هذه الوقائع في اليوم نفسه وفي اليوم التالي احلّ الذعر في نفوس مقهورة بالاصل، وانعش الحيرة في العقول الضائعة.</p> <p>فالحدث ينطوي على مفارقات مثيرة. أولاها انه يأتي بعيد شهر رمضان، شهر الفضيلة والورع والاحساس بجوع المحروم والتقرب الى الله. واذا بالبعض يحوّلون نهايته للتعبير عن ابشع الانحطاط الاخلاقي والروحي، وعن أشدّه بدائية. والأمر يطرح اسئلة على القيمين على الدين عن نوعية التديّن الذي يدعون اليه؛ والخواء الروحي والاخلاقي لطريقتهم في التدين وقدواته الكاذبة، عن مظهرية تدينهم وسطحيته، وتمسكه بالاشكال المفبركة، وعن عدوانيته وعنفه، خصوصا في شهر رمضان المبارك!</p> <p>المفارقة الثانية تتعلق بالحجاب ومن ثم النقاب. في موجة الحجاب، كان يُقال للنساء: «غطّوا شعوركن، تسلمنَ من تحرشات الشارع ومضايقاته البذيئة». اما في موجة النقاب، فيقال لهن: «غطوا وجوهكن، لعلكن تحظينَ بهيبة في الشارع، بإحترام اكبر... وتحرش اقل». اما مفتي استراليا، الشيخ تاج الدين الهلالي، فخطب في المؤمنين قبيل العيد، هادراً: «غطوا شعور نساءكم! كي لا تعرضن لحمهن ويتعرضن للاغتصاب!».</p> <p>والحال ان لا الحجاب ولا النقاب حمى سيئات الحظ في تلك الليالي الاولى من رجب... من قطعان هائجة، وواثقة من حقها بهذا «اللحم» النسائي الحيّ، ثقة الموقن بيقينه. «غطينا كل ما يجب ان يُغطّى»، تكاد تقول المنقبة؛ «ماذا نفعل الآن؟ نبقى في البيت؟». نعم... ابقينَ في بيوتكن. وهذا الجواب يأتي من صغار المعنيين: من امين شرطة سأله احد الصحافيين عن سبب عدم حمايته للضحايا من النساء، فأجاب: «أي بنت تنزل في الزحمة دي تستاهل اللي يجرا لها»!</p> <p>وهو ما يعني ان هجمة الرهط البدائي ليس ابن البارحة، بل هو اختمار في الوجدان، بطيء وخبيث، مفاده من ان بقاء النساء في البيت هو افضل ما يمكن ان يحصل لهن.</p> <p>المفارقة الثالثة، الأشد خطورة، هي انعدام الديناميكية البوليسية امام حدث كهذا، وارتفاع نفس هذه الديناميكية الى درجات قصوى امام تظاهرات «كفاية» والتظاهرات المعنية بالاصلاح السياسي. فهل ترى الادارة الرسمية ان خطر المطالبين بالاصلاح اشد هولاً من خطر رهط من الذئاب الجائعة المنفتلة من عقالها والمطالبة بحقها الشرعي بـ «الـلحم»؟ اذا كانت تلك هي المعادلة القائمة في رأس الساهرين على أمننا، فمن واجبنا ان نخاف: لأن عقول الساهرين هؤلاء تعطي الاولوية لأمن السلطة على أمن المجتمع.</p> <p>وما يفسر وجها من وجوه هذا الحدث، هو ان هذه الشرطة تحديداً تغاضت عن بلطجية قاموا بهجوم مماثل منذ عامين على متظاهرات يحتججن على تعديل المادة 76 من الدستور. فاذا كانت الشرطة تحمي البلطجية في سعيرهم حيال متظاهرات، فما الذي يردع مسعورين آخرين عن تنظيم رهط الذئاب؟</p> <p>وجه آخر ايضاً: المجال الذهني الذي تربت عليه عقول المسعورين حيال «اللحم»؟ ما هي منابت شرعيتهم الاخرى، او ما يولّد الطاقة لديهم؟ الجواب ربما في مكان آخر: في الفكرة التي اطلقها نفس المفتي الاسترالي باستباحة جسد السافرات. وعلى الأثر، سأله صحافي عن موعد تنحّيه، فأجابه المفتي: «بعدما نطهّر البيت الابيض الاميركي أولا».</p> <p>السؤال هو: ما العلاقة بين «لحمنا» النسائي وبين اشتداد الحرب بيننا وبين اميركا واسرائيل؟ بدليل زيادة نسبة الحجاب ومن ثم النقاب تصاعدياً عند كل محطة من محطات هذا القتال؟ بن لادن، الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والغزو الاميركي لأفغانستان والعراق، حرب لبنان بين اسرائيل و»حزب الله»؟ بعد كل معركة من هذه المعارك يتدثّر الجسد النسائي بالأغطية، ويتخفّى وينحني...؟</p> <p>لماذا؟ ربما لأن حدسهن يشير اليهن بالتنبّه والتغطّي من المتحرشين والزاجرين بعد كل محطة من محطات هذا القتال بيننا وبين اميركا والصهاينة. فكأن جسد المرأة هو المجال الارحب للاستمرار في العداوة؛ كأنه، في الآن عينه، الحصن الحصين ضد الاعداء. والنساء يحدسنَ ذلك.</p> <p>فوق هذا، وبعدما يكون «لحمهن» الواقعي قد لفّ بمئة لفافة، ترى «اللحم» الافتراضي معرّى تماماً في عالم الغناء بكليباته الساخنة. وهي اكثر ما تشاهده هذه الأنفس الجائعة، بعدما تستمع الى مطربها المفضل، شعبان عبد الرحيم الذي «يكره اسرائيل» و»يحب» المقاومة اللبنانية... تقريبا مثل مفتي استراليا. وفي موازاة كل ذلك، مزيد من المواعظ العدوانية والقدوات الكاذبة والشكليات الدينية المغرقة في التفاهة.</p> <p>ولربما أخذ بلوغ هذه التصورات عن المرأة مساراً محدداً ليست معالمه واضحة حتى الآن. ولكن يمكن الاجمال بأن الصيرورة التي بدأت بتحجب النساء قد تنتهي بعودة النساء الى البيت، او بخلق غيتوهات خاصة بهن: لا كما كنّ سابقاً، مندرجات في علاقات، صاحبات سرّ وتواطؤ، بل كما هن الآن: معزولات عن الوشائج الانسانية الاكثر إلحاحا، غارقات في الخوف على الحياة. وهذه نهاية ليست مستحيلة. فالنساء اقوى من الرجال في استشعار الخطر وحماية جنسهن البشري. وتغطية كل الجسد ما عدا العيون... حتى هذه لم تنفع. فماذا يبقى غير الانصراف عن الخروج من البيت؟</p> <p>قد نصل الى هذه النهاية اذا بقي جلّ «الممانعين» يرون في الهوية قاعدة فكرهم وإطارأً له. واذا لم ينتبهوا الى ان قاعدة كهذه وإطاراً كذاك يحولان المرأة الى درع بشري لمعارك الممانعين المتتالية في وجه الغرب. يُستخدم هذا الجسد في المعارك الرمزية في الحرب الثقافية ضد الغرب... وصولا الى استباحته والتصرف به بما تستلزمه المعارك في حركتها واضطرامها!</p> <p>قد تكون هذه معالم الحقبة المقبلة التي تنتظرنا. فلنرَ.</p> </p>
|  |
ossama elkaffash (not verified) wrote:
أيها الممانعون العرب: هذا واحد من آثار ممانعتكم
دلال البزري الحياة - 05/11/06//
واليكم وقائع الحدث شبه السينمائي هذا: في اليومين الاول والثاني من ايام عيد الفطر، راح رهط من الذكور يصل عدده الى المئة احياناً، وتتراوح اعمار عناصره بين العاشرة والاربعين، يهجمون على اية امرأة مارّة في الطريق، يخلعون ملابسها بالقوة والضرب، ويدسّون ايديهم في كل مناطق جسمها. والأهم من كل ذلك، انهم كانوا لا يميزون بين سافرة ومحجبة ومنقبة. الكل سيان امام السعار. بل الاخيرة، المنقبة، نالت قسطاً خاصاً: إندسّ «الصغار» من الرهط داخل عباءتها بأوامر من «كبارهم» واخذوا يتحسّسون مختلف انحاء جسدها المغطّى...
كل ذلك وسط لا مبالاة المارة ورجال الشرطة على حدّ سواء. التدخل الوحيد كان تهديدا بالمسدس وجهه ضابط ضد مصور حاول التقاط بعض الصور. الجميع كان «يتفرج»، كأنه امام فيلم لا تعنيه احداثه الا بقدر ما تدهشه وتسلّيه. تكرار هذه الوقائع في اليوم نفسه وفي اليوم التالي احلّ الذعر في نفوس مقهورة بالاصل، وانعش الحيرة في العقول الضائعة.
فالحدث ينطوي على مفارقات مثيرة. أولاها انه يأتي بعيد شهر رمضان، شهر الفضيلة والورع والاحساس بجوع المحروم والتقرب الى الله. واذا بالبعض يحوّلون نهايته للتعبير عن ابشع الانحطاط الاخلاقي والروحي، وعن أشدّه بدائية. والأمر يطرح اسئلة على القيمين على الدين عن نوعية التديّن الذي يدعون اليه؛ والخواء الروحي والاخلاقي لطريقتهم في التدين وقدواته الكاذبة، عن مظهرية تدينهم وسطحيته، وتمسكه بالاشكال المفبركة، وعن عدوانيته وعنفه، خصوصا في شهر رمضان المبارك!
المفارقة الثانية تتعلق بالحجاب ومن ثم النقاب. في موجة الحجاب، كان يُقال للنساء: «غطّوا شعوركن، تسلمنَ من تحرشات الشارع ومضايقاته البذيئة». اما في موجة النقاب، فيقال لهن: «غطوا وجوهكن، لعلكن تحظينَ بهيبة في الشارع، بإحترام اكبر... وتحرش اقل». اما مفتي استراليا، الشيخ تاج الدين الهلالي، فخطب في المؤمنين قبيل العيد، هادراً: «غطوا شعور نساءكم! كي لا تعرضن لحمهن ويتعرضن للاغتصاب!».
والحال ان لا الحجاب ولا النقاب حمى سيئات الحظ في تلك الليالي الاولى من رجب... من قطعان هائجة، وواثقة من حقها بهذا «اللحم» النسائي الحيّ، ثقة الموقن بيقينه. «غطينا كل ما يجب ان يُغطّى»، تكاد تقول المنقبة؛ «ماذا نفعل الآن؟ نبقى في البيت؟». نعم... ابقينَ في بيوتكن. وهذا الجواب يأتي من صغار المعنيين: من امين شرطة سأله احد الصحافيين عن سبب عدم حمايته للضحايا من النساء، فأجاب: «أي بنت تنزل في الزحمة دي تستاهل اللي يجرا لها»!
وهو ما يعني ان هجمة الرهط البدائي ليس ابن البارحة، بل هو اختمار في الوجدان، بطيء وخبيث، مفاده من ان بقاء النساء في البيت هو افضل ما يمكن ان يحصل لهن.
المفارقة الثالثة، الأشد خطورة، هي انعدام الديناميكية البوليسية امام حدث كهذا، وارتفاع نفس هذه الديناميكية الى درجات قصوى امام تظاهرات «كفاية» والتظاهرات المعنية بالاصلاح السياسي. فهل ترى الادارة الرسمية ان خطر المطالبين بالاصلاح اشد هولاً من خطر رهط من الذئاب الجائعة المنفتلة من عقالها والمطالبة بحقها الشرعي بـ «الـلحم»؟ اذا كانت تلك هي المعادلة القائمة في رأس الساهرين على أمننا، فمن واجبنا ان نخاف: لأن عقول الساهرين هؤلاء تعطي الاولوية لأمن السلطة على أمن المجتمع.
وما يفسر وجها من وجوه هذا الحدث، هو ان هذه الشرطة تحديداً تغاضت عن بلطجية قاموا بهجوم مماثل منذ عامين على متظاهرات يحتججن على تعديل المادة 76 من الدستور. فاذا كانت الشرطة تحمي البلطجية في سعيرهم حيال متظاهرات، فما الذي يردع مسعورين آخرين عن تنظيم رهط الذئاب؟
وجه آخر ايضاً: المجال الذهني الذي تربت عليه عقول المسعورين حيال «اللحم»؟ ما هي منابت شرعيتهم الاخرى، او ما يولّد الطاقة لديهم؟ الجواب ربما في مكان آخر: في الفكرة التي اطلقها نفس المفتي الاسترالي باستباحة جسد السافرات. وعلى الأثر، سأله صحافي عن موعد تنحّيه، فأجابه المفتي: «بعدما نطهّر البيت الابيض الاميركي أولا».
السؤال هو: ما العلاقة بين «لحمنا» النسائي وبين اشتداد الحرب بيننا وبين اميركا واسرائيل؟ بدليل زيادة نسبة الحجاب ومن ثم النقاب تصاعدياً عند كل محطة من محطات هذا القتال؟ بن لادن، الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والغزو الاميركي لأفغانستان والعراق، حرب لبنان بين اسرائيل و»حزب الله»؟ بعد كل معركة من هذه المعارك يتدثّر الجسد النسائي بالأغطية، ويتخفّى وينحني...؟
لماذا؟ ربما لأن حدسهن يشير اليهن بالتنبّه والتغطّي من المتحرشين والزاجرين بعد كل محطة من محطات هذا القتال بيننا وبين اميركا والصهاينة. فكأن جسد المرأة هو المجال الارحب للاستمرار في العداوة؛ كأنه، في الآن عينه، الحصن الحصين ضد الاعداء. والنساء يحدسنَ ذلك.
فوق هذا، وبعدما يكون «لحمهن» الواقعي قد لفّ بمئة لفافة، ترى «اللحم» الافتراضي معرّى تماماً في عالم الغناء بكليباته الساخنة. وهي اكثر ما تشاهده هذه الأنفس الجائعة، بعدما تستمع الى مطربها المفضل، شعبان عبد الرحيم الذي «يكره اسرائيل» و»يحب» المقاومة اللبنانية... تقريبا مثل مفتي استراليا. وفي موازاة كل ذلك، مزيد من المواعظ العدوانية والقدوات الكاذبة والشكليات الدينية المغرقة في التفاهة.
ولربما أخذ بلوغ هذه التصورات عن المرأة مساراً محدداً ليست معالمه واضحة حتى الآن. ولكن يمكن الاجمال بأن الصيرورة التي بدأت بتحجب النساء قد تنتهي بعودة النساء الى البيت، او بخلق غيتوهات خاصة بهن: لا كما كنّ سابقاً، مندرجات في علاقات، صاحبات سرّ وتواطؤ، بل كما هن الآن: معزولات عن الوشائج الانسانية الاكثر إلحاحا، غارقات في الخوف على الحياة. وهذه نهاية ليست مستحيلة. فالنساء اقوى من الرجال في استشعار الخطر وحماية جنسهن البشري. وتغطية كل الجسد ما عدا العيون... حتى هذه لم تنفع. فماذا يبقى غير الانصراف عن الخروج من البيت؟
قد نصل الى هذه النهاية اذا بقي جلّ «الممانعين» يرون في الهوية قاعدة فكرهم وإطارأً له. واذا لم ينتبهوا الى ان قاعدة كهذه وإطاراً كذاك يحولان المرأة الى درع بشري لمعارك الممانعين المتتالية في وجه الغرب. يُستخدم هذا الجسد في المعارك الرمزية في الحرب الثقافية ضد الغرب... وصولا الى استباحته والتصرف به بما تستلزمه المعارك في حركتها واضطرامها!
قد تكون هذه معالم الحقبة المقبلة التي تنتظرنا. فلنرَ.
<h1>أيها الممانعون العرب: هذا واحد من آثار ممانعتكم</h1> <h4>دلال البزري الحياة - 05/11/06//</h4> <p> <p> <table width="200" cellspacing="0" cellpadding="3" border="0" align="left" class="image"> <tr> <td><img alt="" src="paint_18.jpg_200_-1.jpg" hspace="0" border="0"></td> </tr> <tr> <td class="caption"></td> </tr> </table>الحدث ينتمي الى النوع السينمائي. مع انه حصل في وسط القاهرة العريقة. في شوارع طلعت حرب وقصر النيل وكورنيش النيل. اول من افصح عنه اصحاب المدوّنات الالكترونية (bloggers)، ثم ذاعت وقائعه. كتبت عنه الصحافة، وكان مادة استنكار من نواب في البرلمان وبعض منظمات حقوق الانسان.</p> <p>واليكم وقائع الحدث شبه السينمائي هذا: في اليومين الاول والثاني من ايام عيد الفطر، راح رهط من الذكور يصل عدده الى المئة احياناً، وتتراوح اعمار عناصره بين العاشرة والاربعين، يهجمون على اية امرأة مارّة في الطريق، يخلعون ملابسها بالقوة والضرب، ويدسّون ايديهم في كل مناطق جسمها. والأهم من كل ذلك، انهم كانوا لا يميزون بين سافرة ومحجبة ومنقبة. الكل سيان امام السعار. بل الاخيرة، المنقبة، نالت قسطاً خاصاً: إندسّ «الصغار» من الرهط داخل عباءتها بأوامر من «كبارهم» واخذوا يتحسّسون مختلف انحاء جسدها المغطّى...</p> <p>كل ذلك وسط لا مبالاة المارة ورجال الشرطة على حدّ سواء. التدخل الوحيد كان تهديدا بالمسدس وجهه ضابط ضد مصور حاول التقاط بعض الصور. الجميع كان «يتفرج»، كأنه امام فيلم لا تعنيه احداثه الا بقدر ما تدهشه وتسلّيه. تكرار هذه الوقائع في اليوم نفسه وفي اليوم التالي احلّ الذعر في نفوس مقهورة بالاصل، وانعش الحيرة في العقول الضائعة.</p> <p>فالحدث ينطوي على مفارقات مثيرة. أولاها انه يأتي بعيد شهر رمضان، شهر الفضيلة والورع والاحساس بجوع المحروم والتقرب الى الله. واذا بالبعض يحوّلون نهايته للتعبير عن ابشع الانحطاط الاخلاقي والروحي، وعن أشدّه بدائية. والأمر يطرح اسئلة على القيمين على الدين عن نوعية التديّن الذي يدعون اليه؛ والخواء الروحي والاخلاقي لطريقتهم في التدين وقدواته الكاذبة، عن مظهرية تدينهم وسطحيته، وتمسكه بالاشكال المفبركة، وعن عدوانيته وعنفه، خصوصا في شهر رمضان المبارك!</p> <p>المفارقة الثانية تتعلق بالحجاب ومن ثم النقاب. في موجة الحجاب، كان يُقال للنساء: «غطّوا شعوركن، تسلمنَ من تحرشات الشارع ومضايقاته البذيئة». اما في موجة النقاب، فيقال لهن: «غطوا وجوهكن، لعلكن تحظينَ بهيبة في الشارع، بإحترام اكبر... وتحرش اقل». اما مفتي استراليا، الشيخ تاج الدين الهلالي، فخطب في المؤمنين قبيل العيد، هادراً: «غطوا شعور نساءكم! كي لا تعرضن لحمهن ويتعرضن للاغتصاب!».</p> <p>والحال ان لا الحجاب ولا النقاب حمى سيئات الحظ في تلك الليالي الاولى من رجب... من قطعان هائجة، وواثقة من حقها بهذا «اللحم» النسائي الحيّ، ثقة الموقن بيقينه. «غطينا كل ما يجب ان يُغطّى»، تكاد تقول المنقبة؛ «ماذا نفعل الآن؟ نبقى في البيت؟». نعم... ابقينَ في بيوتكن. وهذا الجواب يأتي من صغار المعنيين: من امين شرطة سأله احد الصحافيين عن سبب عدم حمايته للضحايا من النساء، فأجاب: «أي بنت تنزل في الزحمة دي تستاهل اللي يجرا لها»!</p> <p>وهو ما يعني ان هجمة الرهط البدائي ليس ابن البارحة، بل هو اختمار في الوجدان، بطيء وخبيث، مفاده من ان بقاء النساء في البيت هو افضل ما يمكن ان يحصل لهن.</p> <p>المفارقة الثالثة، الأشد خطورة، هي انعدام الديناميكية البوليسية امام حدث كهذا، وارتفاع نفس هذه الديناميكية الى درجات قصوى امام تظاهرات «كفاية» والتظاهرات المعنية بالاصلاح السياسي. فهل ترى الادارة الرسمية ان خطر المطالبين بالاصلاح اشد هولاً من خطر رهط من الذئاب الجائعة المنفتلة من عقالها والمطالبة بحقها الشرعي بـ «الـلحم»؟ اذا كانت تلك هي المعادلة القائمة في رأس الساهرين على أمننا، فمن واجبنا ان نخاف: لأن عقول الساهرين هؤلاء تعطي الاولوية لأمن السلطة على أمن المجتمع.</p> <p>وما يفسر وجها من وجوه هذا الحدث، هو ان هذه الشرطة تحديداً تغاضت عن بلطجية قاموا بهجوم مماثل منذ عامين على متظاهرات يحتججن على تعديل المادة 76 من الدستور. فاذا كانت الشرطة تحمي البلطجية في سعيرهم حيال متظاهرات، فما الذي يردع مسعورين آخرين عن تنظيم رهط الذئاب؟</p> <p>وجه آخر ايضاً: المجال الذهني الذي تربت عليه عقول المسعورين حيال «اللحم»؟ ما هي منابت شرعيتهم الاخرى، او ما يولّد الطاقة لديهم؟ الجواب ربما في مكان آخر: في الفكرة التي اطلقها نفس المفتي الاسترالي باستباحة جسد السافرات. وعلى الأثر، سأله صحافي عن موعد تنحّيه، فأجابه المفتي: «بعدما نطهّر البيت الابيض الاميركي أولا».</p> <p>السؤال هو: ما العلاقة بين «لحمنا» النسائي وبين اشتداد الحرب بيننا وبين اميركا واسرائيل؟ بدليل زيادة نسبة الحجاب ومن ثم النقاب تصاعدياً عند كل محطة من محطات هذا القتال؟ بن لادن، الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والغزو الاميركي لأفغانستان والعراق، حرب لبنان بين اسرائيل و»حزب الله»؟ بعد كل معركة من هذه المعارك يتدثّر الجسد النسائي بالأغطية، ويتخفّى وينحني...؟</p> <p>لماذا؟ ربما لأن حدسهن يشير اليهن بالتنبّه والتغطّي من المتحرشين والزاجرين بعد كل محطة من محطات هذا القتال بيننا وبين اميركا والصهاينة. فكأن جسد المرأة هو المجال الارحب للاستمرار في العداوة؛ كأنه، في الآن عينه، الحصن الحصين ضد الاعداء. والنساء يحدسنَ ذلك.</p> <p>فوق هذا، وبعدما يكون «لحمهن» الواقعي قد لفّ بمئة لفافة، ترى «اللحم» الافتراضي معرّى تماماً في عالم الغناء بكليباته الساخنة. وهي اكثر ما تشاهده هذه الأنفس الجائعة، بعدما تستمع الى مطربها المفضل، شعبان عبد الرحيم الذي «يكره اسرائيل» و»يحب» المقاومة اللبنانية... تقريبا مثل مفتي استراليا. وفي موازاة كل ذلك، مزيد من المواعظ العدوانية والقدوات الكاذبة والشكليات الدينية المغرقة في التفاهة.</p> <p>ولربما أخذ بلوغ هذه التصورات عن المرأة مساراً محدداً ليست معالمه واضحة حتى الآن. ولكن يمكن الاجمال بأن الصيرورة التي بدأت بتحجب النساء قد تنتهي بعودة النساء الى البيت، او بخلق غيتوهات خاصة بهن: لا كما كنّ سابقاً، مندرجات في علاقات، صاحبات سرّ وتواطؤ، بل كما هن الآن: معزولات عن الوشائج الانسانية الاكثر إلحاحا، غارقات في الخوف على الحياة. وهذه نهاية ليست مستحيلة. فالنساء اقوى من الرجال في استشعار الخطر وحماية جنسهن البشري. وتغطية كل الجسد ما عدا العيون... حتى هذه لم تنفع. فماذا يبقى غير الانصراف عن الخروج من البيت؟</p> <p>قد نصل الى هذه النهاية اذا بقي جلّ «الممانعين» يرون في الهوية قاعدة فكرهم وإطارأً له. واذا لم ينتبهوا الى ان قاعدة كهذه وإطاراً كذاك يحولان المرأة الى درع بشري لمعارك الممانعين المتتالية في وجه الغرب. يُستخدم هذا الجسد في المعارك الرمزية في الحرب الثقافية ضد الغرب... وصولا الى استباحته والتصرف به بما تستلزمه المعارك في حركتها واضطرامها!</p> <p>قد تكون هذه معالم الحقبة المقبلة التي تنتظرنا. فلنرَ.</p> </p>»