نوستالجيا 1
كنا نجلس في صفوفٍ فوق مسرحٍ خشبيٍ متهالكٍ يحتَل نصف مساحة قاعةٍ جيدة التهويه تمتليء بكراسٍ بلاستيكيه زرقاء متعبه , يرانا الجالس عليها "بالبروفيل" .. بينما نواجه كرسيا خشبيا عتيقا يجلس عليه عبد الحميد محروس : رجل سبعيني ازرق العينين بطيء الحركات حاد الملامح بشوشها , ينسى اسماءنا فيتمتم : ازيك يا حبيبي ؟؟ كلما حياه احدنا
..
عندما تبدأ البروفه يستحيل الرجل طاقة من موسيقى تملا القاعه و الاولاد و الحياة سلالم و مقامات و اسئلة وردودا و كوبليهات و مرجعات و قرارات وجوابات
..
عبد الحميد محروس استاذ الموسيقى .. و مدرب فرقتنا ذات الاسم السخيف : طلائع الاسكندريه الموسيقيه .. كان مرشدنا الاول لمسارح القاهره ودمنهور و مسابقاتها الصاخبة المندلعه بين فرق الاقاليم الموسيقيه .. فليتركك الله بخير يا استاذنا ان كنت معنا و ليتغمدك بفضله ان كنت قد رحلت
..
صغيرا كنت .. او هكذا اشعر .. كم مر من السنون ؟ سبع فقط ؟؟ .. لم نكن بهذا الصغر اذا .. مساءَ الجمعة كنت احمل آلتي التي احببتها و علمت نفسي اياها : كمانٌ صيني بمائه و خمسين جنيها استقطعتهم من مصروفي لعامين كاملين .. وعدلت اوتاره حسب النظام الغربي : صول ري لا مي
..
فليتغمد الله ايضا مدام ليزيت في كونسرفتوار شارع فؤاد العتيق .. كانت تصرخ فيَ عندما اخرج من آلتي حلية عربيه احب ان اجربها .. او عندما تخترق اذنها الفرنسية "سيكا "شرقيه خالصه .. قالت لي بحرفيه بالغه ان مكاني ليس معها إن كنت اريد الادوار و الموشحات و الطقاطيق : هنا غربي بس هيثم
..
بعنادي الذي فطرت عليه اصررت على الاستمرار.. طردتني حرفيا عندما فقدت كتابا روسيا مليئا بنوتات موسيقيه "لتحسين تكنيك عزف الفيولين" عند صاحب مكتبة التصوير المجاوره.. وجدت نفسي بعدها في عهدة عبد الحميد محروس ..حولي معتزَ على العود و عبد اللطيف على الجيتار و مروه على الكونتراباص و مروان على الاورج و محمودَ على الفلوت .. و غيرهما على الات عده
..
يا الله كيف فرقتنا الايام و اين اصبحنا اليوم؟!! .. قابلت محمود يوم الجمعه الفائت و قد اطلق لحيته و قصر ثوبه .. تغير معتز وعبد اللطيف لا اراه و لا اطيقه .. بلال درس الموسيقى في القاهره و يعمل الآن في الافراح و الكازينوهات ليلا و يدرس العود في ساقية الصاوي صباحا و يغني احيانا في مسلسلات رمضان .. لا تزال عنده نسختي الاولى من حب في المنفى لبهاء طاهر .. مروان اصبح اكثر وداعه .. أو بالاصح صرت انا اكثر شراسه .. مروه تزوجت و معاذ هاجر و الباقي سقط من الذاكره و عز اللقاء
..
يالثقتك فينا يا استاذ عبد الحميد .. كان يدربنا كي نعزف خطوة حبيبي , و عزيزه , و الجندول , اغاني ام كلثوم و فايزه و السنباطي و زكريا احمد و فريد , ارض الفيروز , صوره , بولكه شحاته , لونجا فرحفزا , تانجو الربيع و مقطوعات كثيره ايطاليه و فرنسيه و روسيه لا اذكر اسماءها الآن .. يمنحنا صورا من نوتات موسيقيه بخطه تساعدنا في حفظ مايطلبه منا .. كنا نجتهد لنتعلم كيف نقراها و نشتبك عندما يعتبر احدنا ماترجمه اصح من غيره .. و كان ياتي ليثبت اننا جميعا على خطأ .. ان يعجب عبد الحميد باحدنا هي معجزه و ضجره منا هو القاعده .. فزت يوما بصولو في عزيزه .. قطعة عبد الوهاب المنهِكة لعازفيها .. كانت مسئوليتي لحنا لا يتعدى الثواني الخمس .. تصمت الفرقه كلها حين اعزفه .. ورغم ضآلة الصولو غير انه كان فتحا كبيرا بالنسبة لي .. كانت ايمان في تونس لشهر و انا الصوليست الثاني بعدها .. بعد مجازر تنافسيه بيني و بين وفاء فزت انا بالصولو .. و اتت مي بصداقة ابويها للاستاذ في النهايه لتكسحنا جميعا , لم اتذكر هذه التفاصيل الخائبه الآن ؟؟ سبع سنوت مضت فلاضير الآن من استحضار الماضي .. ايمان التي احببتها ووفاء التي احبتني .. لم يلق المحبوب في كلتا العلاقتين المضطربتين بالا للذي يتم تعذيبه دوريا في كل بروقه
..
ثم جاءت شيريهان بجيتارها لتكسر فينا خرافات الحب الطفولي النبيل .. فانطلقنا نتقاتل كالوحوش .. خسرت في البدايه لكن يشهد لي الجميع اليوم اني انتصرت اخيرا , اعرف جيدا انه لم يكن بالنصر الحقيقي فقد ظفرت بها بعد ان لفظت هي الجميع فلفظوها .. ربما لم اهتم في الحقيقه بشيريهان بقدر ما صممت على الفوز في النهايه.. غالبا كانت هي الخاسر الحقيقي الوحيد وسط كل هذا العبث
..
اليوم , شيريهان النورانيه .. الشقراء ذات الشعر الذهبي و الاسنان اللبنيه البيضاء بما يزيد عن اللزوم .. شريهان التي لوثتنا حتى افترقنا طويلا لمحبتها اصبحت : الاستاذه شيريهان
..
..
اهديكم ابطال مراهقتي المشوهة قطعة عزفناها معا .. فيها ناي محمود و عود معتز و رق معاذ و كنتراباص مروه .. ولكن لا اثر حقيقي للكمان
..
اهديكم : خطوة حبيبي










ossama (not verified) wrote:
حلوة يا هيثم القطعة
المكتوبة و المعزوفة
بس ياعم بقيت نوستالجيك بدري قوي!!!كل سنة وانت طيب
- reply
»عمر (not verified) wrote:
- reply
»معتز (not verified) wrote:
- reply
»yasser_best (not verified) wrote:
يا جار القمر تثبت لي يوماً بعد آخر أنك صوت متفرد.. تملك رؤية عميقة وأسلوباً لا يضيع وسط الزحام
هذا الحنين للبشر والمكان والأحبة هو الذي يصنع منك ما أنت عليه الآن..نحن ندور في رحاب هذا الثالوث لنكتشف في النهاية أننا نبحث عن أنفسنا
يعجبني حرصك على الإمساك باللحظات الخاطفة والأشخاص العابرين.. تتفرس في الوجوه بحثاً عن الحقيقة
يا جار القمر: تقديري لك كبير
- reply
»jarelkamar wrote:
- reply
»tawahan.blogspot (not verified) wrote:
- reply
»jarelkamar wrote:
اهداني الجميل هلال شومان بعد كتابة هذه التدوينه بايام قطعةً موسيقية اخرى عزفناها سويا انا و اصدقاء المراهقه ..
كانت لرياض السنباطي و اسمها لونجا رياض .. ولأن التدوينه ارشيفيه لزم علي ايضا ان اضيفها هنا
..
الى ارواحهم ايضا اهديها
:
- reply
»mr-bibooo (not verified) wrote:
- reply
»شاب اسكندرانى (not verified) wrote:
- reply
»Eman M (not verified) wrote:
:) جميل أوى
و الأيام اللى إحنا عايشينها دى، كلها 7 سنين كمان و تبقى نوستالجيا 2
أُحييك
- reply
»sha3'af (not verified) wrote:
- reply
»Ghada (not verified) wrote:
جميلة
رغم كل شيء، ورغم ألم النوستالجيا في بعض الأحيان
أكيد هي اللي بتدفينا في أوقات تانية كتير
- reply
»Mohamed Gamal (not verified) wrote:
- reply
»jarelkamar wrote:
محمد ازيك ؟؟ انت بتيجي هنا ؟؟ فينك و فين ايام السيده زينب
:))
..
سلامي لكل الناس اللي لسه بتشوفهم
- reply
»